- ندوات إذاعية / ٠22برنامج ربيع القلوب - إذاعة القرآن الكريم الدوحة
- /
- ٠1 ربيع القلوب 1 - أحاديث عام 2019
مقدمة :
المذيع :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله على إحسانه ، والشكر لله على توفيقه وامتنانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأخوانه ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره، واستن بسنته ، وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين .
وبعد ؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسعد الله أوقاتكم أخواني وأخواتي أينما كنتم بكل خير ، مرحباً بكم في برنامجكم اليومي : "ربيع القلوب" برنامج قرآني إيماني نقف من خلاله على بعض آيات الله البينات تدبراً ، وتأملاً ، وعملاً .
"ربيع القلوب" يتهادى إلى مسامعكم عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من الدوحة ، باسمكم جميعاً يسعدني أن أرحب بضيفنا الدائم فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي ، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم شيخنا ..
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم ، وحفظ بلدكم ..
المذيع :
أمين جزاكم الله خيراً ، مسمع صوتي عن آيات اليوم ثم نعود مع شيخنا لنقف معه حولها تأملات وخواطر ، يقول ربنا جل وعز :
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
في مناسبة هذه الآية لما قبلها تحدثت الآيات التي قبلها عن سنة الله ، إهلاك الله للمكذبين ، وعن سنته في إهلاك أهل القرى بالبأساء والضراء ، فجاءت هذه الآية لتبين طريق الخير والبركات .
شيخنا بارك الله بكم ، لم يكتف ربنا جل وعلا بقوله :
﴿ آمَنُوا ﴾
لكن ذكر أنه لا بد من التقوى ، نحن الآن والحمد لله مؤمنون ، ولكن بعضنا لا يتقي الله عز وجل ، فهل من آية أوضح من هذه الآية ؟
بطولة الإنسان أن يفهم على الله حكمته من كل شيء :
الدكتور راتب :
لكن لا بد من ملمح دقيق للأداة لو ، لو في الإعراب حرف امتناع لامتناع ، لو جئتني لأكرمتك ، امتنع إكرامي لك لعدم مجيئك إليّ ، امتناع لامتناع ، لولا امتناع لوجود ، لولا المطر لهلك الزرع ، امتنع هلاك المطر لوجود المطر .
الحقيقة مكروه أن نستخدم لو بدليل في الأثر النبوي :
(( فلا تَقُل : لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا ، ولكن قل : قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل))
إلا أن العلماء استثنوا من هذا الحكم لو التحذيرية ، أي إنسان غش في بيعه فخسر ماله ، لو قال بينه وبين نفسه بحديث قلبي : لو لم أغش ما خسرت مالي ، لا يوجد مانع ، إذاً لو حرف امتناع لامتناع ، لو جئتني لأكرمتك ، امتنع إكرامي لك لامتناع مجيئك ، أما لولا المطر لهلك الزرع ، فقد امتنع هلاك الزرع لوجود المطر ، الأولى امتناع لامتناع ، والثانية امتناع لوجود .
لا يجوز أن نقول : لو كنت أنا ابناً غنياً ، أو لو كانت صحتي أقوى ، هذا قضاء وقدر ، القضاء والقدر فيه حكمة بالغة والإنسان تكشف له يوم القيامة ، الكلمة الوحيدة لأهل الأرض :
﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
أي أنت مخير ، لولا التخيير لما كان هناك تكليف ، أنت لست مخيراً بأمك وأبيك ، لست مخيراً بمكان ولادتك ، بالشرق الأوسط ، لست مخيراً بكونك ذكراً أو أنثى ، لست مخيراً بإمكاناتك مستواها عال ، أو أقل ، أو وسط ، أما يوم القيامة فليس في الإمكان أبدع مما كان ، هذا الذي أنت فيه أبدع شيء يناسبك ، هذا الذي أنت فيه ، مكان ولادتك ، زمن ولادتك ، والدك، والدتك ، إمكاناتك ، خصائصك ، هذا شيء يريح النفس ، هذا هو القضاء والقدر ، القضاء حكم ، والقدر قدر الشيء المناسب ، فالإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ، لذلك ما الذي أهلك الناس ؟ كلمة لو ، لو كنت ابناً غنياً مثلاً ، لو كنت بهذا البلد ، لو كان والدي غنياً ، أنا أتمنى على الأخوة المستمعين أن يحذفوا من حياتهم كلمة لو .
(( فلا تَقُل : لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا ، ولكن قل : قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل ، فإن 'لو' تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))
لكن إذا إنسان لم يدفع زكاة ماله ، وخسره ، لو قال : لو دفعت زكاة مالي لما خسرت هذا المال ، أذكر تماماً إنساناً أعرفه ، زكاة ماله كانت أربعة عشر ألفاً و مئة و خمسين ليرة ، هو سيدفعها ، إلا أن زوجته ألحت عليه بشدة بالغة أن يصلح البيت بهذا المبلغ ، ضغطها كان شديداً ، هو استجاب لها وأصلح البيت بهذا المبلغ ، يقول لي من فمه إلى أذني : بعد شهر عملت حادث سيارة ، كانت كلفته أربعة عشر ألفاً و مئة و خمسين ليرة ، رقم الزكاة نفسه ، هذه رسالة من الله .
البطولة لا أن تأتي مصيبة لا نفهمها ، البطولة أن نفهم على الله حكمته من المصائب ، وسميت المصيبة مصيبة لأنها تصيب الهدف ، من رب رحيم ، وكل بطولة المؤمن أن يكتشف حكمة المصيبة ، لذلك قالوا : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر .
تقنين الله عز وجل تقنين تربية و تأديب و ليس تقنين عجز :
الآن :
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
هذا اسمه تقنين من الله ، والتقنين من الله لا يمكن أن يكون تقنين عجز ، بل هو تقنين حكمة ، تقنين تأديب ، تقنين تربية .
قرأت مقالة في مجلة علمية مترجمة ، يوجد سحابة بالفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة باليوم بالمياه العذبة ، فإذا الله قنن الأمطار ، قنن الرزق ، يسمى هذا التقنين تقنين تربية لا تقنين عجز .
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾
الآن :
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
أذكر مرة أن هناك قطعتي أرض بينهما نهر ، وهاتان القطعتان زرعتا قمحاً ، الأولى كان الناتج فيها أربعة أضعاف الثانية ، التربة واحدة ، والسقاية واحدة ، والخبرات واحدة ، فالذي لاحظ هذه الملاحظة سأل صاحب الأرض الأولى فقال له : أنا نويت أن أنفق نصف الإنتاج على أولاد أخي الأيتام ، والثاني عليه ديون وهو نوى ألا يدفعها ، واحد أتلف الله له ماله، والثاني بارك له بماله .
البركة بالآلة الحاسبة ليس لها محل ، لا يوجد بركة ، يوجد زائد ، ناقص ، تقسيم ، ضرب ، أحياناً الله يبارك لك بوقتك ، تنجز أعمالاً كبيرة بوقت محدود ، قد يبارك لك في المال، إذا لم يكن هناك بركة طار نصف الراتب معالجة وطباً ، هناك شيء اسمه : دخل سلبي بالإنسان ، ما هو ؟ إذا أنت عافاك الله من أمراض ، عافاك من مشكلات ، عافاك من حوادث طارئة ، عافاك من أشياء تحتاج لإنفاق كبير ، هذه الدخل اسمه : دخل سلبي .
الفرق بين الرزق و الكسب :
بالمناسبة : ما هو الرزق ؟ الرزق ما انتفعت به فقط ، أي الطعام الذي أكلته هو الرزق ، والثياب التي ترتديها هي الرزق ، هذا هو الرزق ، يقول النبي الكريم :
(( وهَلْ لَك يا بْن آدَمَ مِنْ مَالِكَ إلا ما أكلتَ فأفْنَيتَ ، أو لَبِستَ فأبْلَيْتَ ، أو تصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ))
معنى ذلك المستهلكات هي الرزق ، يوجد مستهلكان من هذه المستهلكات ليس له أثر مستقبلي إطلاقاً ، وهناك مستهلك واحد ، رزق واحد هو العمل الصالح و له أثر ، الذي يستهلك بالشهر ألفاً ، ألفين ، عشرة آلاف ، مئة مليون ، ماذا نسمي هذا ؟ نسميه كسباً ، الكسب لم تنتفع به ، لكنك تحاسب عليه ، فالرزق :
(( ما أكلتَ فأفْنَيتَ ، أو لَبِستَ فأبْلَيْتَ ، أو تصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ))
هذا الرزق ، الثلاث مستهلكات ، ليس للأول والثاني أثر مستقبلي .
(( لَبِستَ فأبْلَيْتَ ، أكلتَ فأفْنَيتَ ، تصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ ))
أما المال الذي تملكه فهو الكسب ، والحقيقة لم تنتفع به إطلاقاً لكنك ستحاسب عليه ، بل أندم الناس من عاش فقيراً - هؤلاء البخلاء - ليموت غنياً ، عاش فقيراً ليموت غنياً.
المذيع :
شيخنا ، ذكرتم في تفسيركم أن حل مشكلات العالم الإسلامي بكلمتين في آية : آمن واتقى ، لو تحدثنا عن هذا قليلاً بارك الله بكم ؟
بطولة الإنسان أن ينقل اهتماماته الكبيرة إلى الدار الآخرة :
الدكتور راتب :
الإنسان بعد الإيمان والفرج يوجد عطاء ويسر ونصر ، المعصية مع الصبر ليس بعدها إلا القبر ، إذا كان هناك معصية وضيق ، معصية وضيق بعدها يوجد قبر ، طاعة و ضيق بعدها نجاح ، النقطة الدقيقة : لا يوجد شيء يدوم ، كل بطولة الإنسان .
(( عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ))
فبطولة الإنسان أن ينقل اهتماماته الكبيرة إلى الدار الآخرة ، إذاً يسعده بالدنيا كل شيء ، أكبر خطأ يجعل كل اهتماماته في الدار الدنيا ، هو بهذا يخاطر ويقامر .
إنسان كل مكانته ، وكل نشاطه ، ولذائذه ، واستهلاكه للأشياء ، منوطة بضربات قلبه ، فإذا أصيب القلب بآفة تعطل كل شيء ، مربوطة بعمل كليته ، فإذا فشلتا فشلاً كلوياً ، يحتاج بالأسبوع ثلاث مرات لغسيل الكليتين ، أي الإنسان تحت رحمة الله ، وهو بتعبير آخر؛ سريع العطب ، الإنسان سريع العطب ، ممكن أن تتبدل حياته شقاء ، لذلك في بعض الأدعية :
(( أعوذ بك يا رب من فجأة نقمتك ، وتحول عافيتك ، وجميع سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي ))
المذيع :
شيخنا ، عند قوله سبحانه وتعالى :
﴿ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
لو أردنا أن نفهم الملمح من هذه الآية في قوله أولاً :
﴿ لَفَتَحْنَا ﴾
اللام ، ثم البركات التي تأتي من السماء ، أو التي تنزل من السماء ، وتخرج من الأرض لهذا العبد .
تأديب الله عز وجل عباده عن طريق الصحة و الرزق :
الدكتور راتب :
أنا أقول كلمة : الله عز وجل ثبت مليار قانون ، مليار ، الحديد له خصائص ، هذا قانون ، لو بدل الحديد خصائصه لانهارت الأبنية ، الإسمنت له خصائص ، الماء له خصائص ، يوجد مليون قانون ثابت ، وهذا الثبات رحمة من الله ، لكن لحكمةٍ بالغةٍ بالغة الله حرك قانونين ، حرك قانون الصحة والرزق ، لأن الله عن طريق الصحة والرزق يؤدب عباده .
أنا أذكر والله آلافاً مؤلفة من الناس تابوا عقب شبح مرض خطير ، قال لي أحدهم : عنده عمل تجاري لكنه ناجح جداً ، جمع مبلغاً كبيراً ، وأحبّ أن يعمل نزهة لأمريكا ، ذهب بمفرده من دون زوجته ، لينفق مالاً وفيراً على ملذاته ، وصل إلى هناك ، شعر بآلام بظهره ، رأى طبيباً قال له : والله يوجد ورم خبيث بالنخاع الشوكي ، قطع رحلته ورجع ، من جامع لجامع ، عمل تحليلاً دقيقاً فوجدوا أن هناك خطأ بالتحليل ، ورم ، لكن الله شفاه .
الله عز وجل قادر أن يرجع أي عبد لعنده ، كل إنسان بقبضة الله ، تحت رحمة الله، بتوفيق الله ، بتيسير الله ، فإذا كان مصطلحاً مع الله ، الأمور تأتي كما يريد ، وإذا كان بعيداً عن الله ، تأتـي بخلاف ما يريد ، والله عز وجل نحن في قبضته بلحظة نرى الشقاء ، بلحظة نرى النعيم في الدنيا قبل الآخرة ، بل :
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
جنةٌ في الدنيا ، وجنةٌ في الآخرة ، هاتان نعمتان كبيرتان .
الموت أخطر شيء بحياة الإنسان :
لذلك الموت مخيف ، لغير المؤمن .
(( عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ))
فلذلك المؤمن أخطر شيء بحياته أن الموت أدخله في حسابه ، أدخله في حسابه اليومي ، فلم يعد يتفاجأ به ، يهيئ نفسه لهذا الموت .
أعرف مريضاً ، معه ورم خبيث ، كلما دخل عليه عائد ، يقول له : اشهد أنني راضٍ عن الله ، يا رب لك الحمد ، كل الذين يعودن هذا المريض يشعرون بسعادة عنده ، بنور، هو معه ورم خبيث ، مرض عضال ، ومرض العضال بالأمعاء ، والآلام لا تحتمل ، الله عز وجل صبره كلما دخل مريض قال له : اشهد أنني راضٍ عن الله ، يا رب لك الحمد ، ثم توفاه الله ، أغلب الظن إلى الجنة ، جاء مريض آخر ، صياح ، سُباب ، يا لطيف ، كأن أهل المستشفى رأوا مرضاً واحداً بآلام واحدة ، أثره عند المؤمن ، وعند غير المؤمن ، هناك فرق نوعي كبير جداً .
عفواً ، الفرق بين الإيمان وعدم الإيمان ليس قضية صلاة ، أكبر بكثير ، هناك منطلقات فكرية ، وأيديولوجية ، وعقيدة ، ومبادئ ، وقيم ، وأخلاق ، وسعادة ، وحكمة بالغة ، وبيت سعيد ، وعمل متقن ، ومال حلال ، وإنفاق حلال ، ومودة مع زوجته ، وعلاقة طيبة مع أولاده ، حياة مؤمن متميزة تميزاً كبيراً جداً .
استواء المستقيم مع المنحرف يتناقض مع وجود الله :
لذلك :
﴿ أفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
الآن :
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
مستحيل! هذه الآيات اللطيفة بالقرآن التي توازن بين حياة مؤمن وحياة غير مؤمن .
﴿ أفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً﴾
ماذا يقابلها ؟ الكافر ، الله لم يقل ذلك :
﴿ أفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً ﴾
معنى هذا أن الفسق من لوازم الكفر .
﴿ أفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
أنا أقول كلمة : أن يستوي المستقيم مع المنحرف ، أو أن يستوي الصالح مع الطالح، أو أن يستوي المحسن مع المسيء ، أو أن يستوي المؤمن مع الكافر ، وكلامي دقيق جداً ، هذا لا يتناقض مع عدل الله ، يتناقض مع وجوده ، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تستوي حياة المؤمن ، الذي عرف الله ، واستقام على أمره ، وأقبل عليه ، في صحته ، في بيته، في عمله ، في مكانته مع غير المؤمن ، تجد المؤمن سعيداً ، وإن لم تقل : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ، هناك مشكلة كبيرة جداً .
المذيع :
شيخنا :
﴿ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
يتضح من خلال هذه الآية أن ما أصاب الناس من مصيبة فإنما كان بسبب ما كسبته أيديهم من سوء ، كيف للمؤمن أن يفقه حكمة هذه المصيبة ؟
كل مصيبة مرتبطة بسبب فعلى الإنسان أن يبحث عن السبب إن أصيب بمصيبة :
الدكتور راتب :
هذه الباء باء السبب ، أي نعم ، هذه الباء من حروف الجر ، باء ، من ، إلى ، عن ، على ، في ، ربّ ، حتى ، واو ، تا ، مذ ، منذ ، حاشا ، كي ، لولا ، لعل ، كيف ، لا، هذه الباء باء السبب ، أنا :
﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ﴾
المذيع :
أي بسبب ما .
الدكتور راتب :
هذه بسبب ، هي باء السببية ، يوجد بعض كتب اللغة تتحدث بدقة بالغة عن الأدوات في القرآن ، لها ست وأربعون حالة ، هذه الباء باء السبب .
فالإنسان أين بطولته ؟ أين ذكاؤه ؟ أين توفيقه ؟ أنه إذا جاءت مصيبة أن يبحث عن السبب .
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾
هذه باء السبب .
﴿ عَنْ كَثِيرٍ ﴾
فأنا أرى أن من السذاجة والحمق والغباء أنه تأتيك مصيبة فتقول : هكذا الناس كلهم، هكذا الدهر ، يوم لك ويوم عليك ، قلب الدهر لي ظهر المجن ، سأحاسب الدهر ، كله كلام فارغ .
(( يَسُبُّ بنو آدم الدهرَ ، وأنا الدهرُ ، أقلبه كيف أشاء))
أي لا يوجد إلا الله سيدي .
المذيع :
فقه المؤمن شيخنا ، المؤمن كيف يفقه أو كيف يفهم الحكمة من هذه المصيبة ؟
الدكتور راتب :
﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾
إليها ، انظر الآية ما أدقها .
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾
آية واضحة مثل الشمس ، بعدها تماماً :
﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾
إلى حكمتها .
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾
﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾
أي إلى حكمتها ، فأنا أقول : البطولة ، والذكاء ، والنجاح ، والتفوق ، تأتي مصيبة : الله أصابني بها ، هكذا أراد الله ، عند الله لا يوجد هكذا .
"ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود ، إلا بما قدمت أيديكم ، وما يعفو الله أكثر"
فالبطولة بالمؤمن أنه إذا جاءت مصيبة لا يكون ساذجاً ، لا يكون عشوائياً ، لا يكون غبياً ، الله عز وجل :
(( لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم ، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم ، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً ، يا عبادي ، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم ، وإنسَكم وجِنَّكم ،
على أفجرِ قلب رجل واحد منكم ، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ، يا عبادي ، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم ، وإنسَكم وجِنَّكم قاموا في صعيد واحد ، فسألوني ، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ، ذلك لأن عطائي كلام ، وأخذي كلام ، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
أدق حديث .
((عطائي كلام ))
كن فيكون .
(( وأخذي كلام ))
زل فيزول .
(( فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
فالبطولة والذكاء أن ترجع إلى نفسك ما سبب هذه المصيبة ، لماذا في خلاف أنا مع زوجتي ، لماذا ؟ لأن هناك حديثاً لا يرضي الله مع موظفات بالدائرة ، إذا صار في معصية الله خلق مشكلة في البيت ، لماذا دخلي قليل ؟ هناك إنفاق لا يرضي الله ، أو كسب حرام ، كل بطولة الإنسان أنه إذا ألمت به مصيبة أن يبحث عن السبب .
المذيع :
شيخنا لا يمكن أن تأتي مصيبة بلا سبب ؟
الدكتور راتب :
هذا من المسلمات ، ما دليلها ؟
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
المذيع :
شيخنا ، كيف نفهم هذه الآية العظيمة التي بين أيدينا فهماً دقيقاً بحيث يسهل علينا تطبيقها والتعامل بها في حياتنا اليومية ؟
بطولة الإنسان أن يؤمن و يتقي الله لتذهب عنه المصائب :
الدكتور راتب :
﴿ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
إذاً أنا بطولتي أن أؤمن ، وأن أتقي ، هذا الطريق ، المصائب لا تعد ولا تحصى ، وكل إنسان ظن أن هذه المصيبة انتهى منها هناك مصيبة ثانية ، هي ببيته ، هي بماله ، هي بأولاده ، هي بصحته ، لا تعد ولا تحصى ، كما أن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، والمصائب كثيرة جداً ، فالبطولة أن أكتفي بطاعة الله حتى تذهب عني المصائب ، والآية واضحة .
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
هذا الإسلام الفردي ، هناك إسلام فردي ، الجماعي :
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
أي يا محمد ما دامت سنتك قائمة من بعدك لن يعذبوا ، إسلام فردي ، وإسلام جماعي ، الفردي :
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
الجماعي :
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم ، هم كأمة في مأمن من عذاب الله ، أما كفرد فالآية تقول :
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
عظمة ديننا أنه دين فردي و جماعي ، الآن يوجد مليارا مسلم ، تصور لو شاب مستقيم وحده من بين مليارين له معاملة خاصة ، يقطف ثمار الدين الفردية وليس الجماعية ، أما الأمة فتقطف ثماره الجماعية .
المذيع :
شيخنا ، في ختام هذه الحلقة لو ذكرنا فوائد ثلاثة من هذه الآية ، ماذا نستفيد من هذه الآية ؟ لو ذكرنا ثلاثة فقط حتى لا يضيق بنا الوقت .
فوائد على الإنسان التمسك بها :
الدكتور راتب :
أول فائدة : لا يكون الإنسان ساذجاً إن جاءته مصيبة ، تقول الأم : مسكينة هذه البنت ليس لها حظ ، كلمة ليس لها حظ لا معنى لها إطلاقاً.
يقول لك الرجل : قلب لي الدهر ظهر المجن ، ما هو الدهر ؟ الله هو الدهر ، يقول : وما يهلكنا إلا الدهر ، هذا الإلحاد ، هكذا الدهر يوم لك ويوم عليك ، هذه كلها كلمات إلحادية ، كلمات كفر كلها ، لا يوجد غير الله ، أنا الدهر ، فأنا عندما أوحد ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
المذيع :
الفائدة الثانية شيخنا ؟
الدكتور راتب :
الفائدة الثانية : لا بد من طلب العلم ، لماذا ؟ أنت لا تعرف الحلال من الحرام ، يجوز أن تأكل مالاً حراماً عشرين سنة و لست منتبهاً لنفسك ، أنت مثلاً عندما تتدين وتأخذ فائدة على الدين ، هذه مشكلة كبيرة جداً ، هذا ربا مخيف ، يحتاج إلى طلب علم .
الثالثة : صحبة المؤمنين ، تحتاج إلى حاضنة إيمانية ، إلى مؤمن ينصحك ، تسهر مع مؤمنين ، تعمل نزهة مع مؤمنين ، هذه اسمها حاضنة إيمانية ، ما دليلها ؟
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
خاتمة و توديع :
المذيع :
إذاً نستفيد من هذه الآية : الصبر ، والعلم ، والصحبة .
شكراً لكم شيخنا .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ، ونفع بكم .
المذيع :
والشكر موصول لكم أنتم أخواني وأخواتي على طيب المتابعة ، وجميل الاستماع .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته